هل تجيز آية ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ تزويج الطفلات؟

هل تجيز آية ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ تزويج الطفلات؟

هل تجيز آية ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ تزويج الطفلات؟ قراءة قرآنية منهجية تُسقط الاستدلال من جذوره
من أخطر ما يمكن أن يقع فيه العقل الديني هو أن يُحمِّل النص ما لم يقله، ثم يبني عليه أحكامًا تمسّ كرامة الإنسان وحقوقه.
ومن ذلك الاستدلال بآية من سورة الطلاق لتبرير تزويج طفلة لم تبلغ سن النكاح، بل لم تبلغ البلوغ أصلًا.

قال الله تعالى:

﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (الطلاق 4)

فهل هذه الآية تشريع لزواج من لم تبلغ؟
أم أنها حكم تنظيمي بعد وقوع الطلاق؟

لنقرأ القرآن بالقرآن.

أولًا: الآية تتكلم عن العِدَّة… لا عن جواز الزواج

السياق واضح: الآية في سورة الطلاق، وكل السورة تتحدث عن أحكام الطلاق وتنظيم العدة.

الآية لا تقول:

“تزوجوا من لم تحض”

ولا “يجوز نكاح من لم تبلغ”

ولا تحدد سنًا للزواج

بل هي تُجيب عن سؤال محدد:
كيف تُحسب عدة المطلقة إذا لم يكن هناك حيض يُقاس عليه؟

فالعدة في الأصل تُحسب بالحيض.
فإن لم يوجد حيض، لأي سبب، جعل الله التقدير بالزمن: ثلاثة أشهر.

إذن الاستدلال بها على “جواز الزواج” قفزة منطقية؛
فهي آية تنظيم بعد وقوع الطلاق، لا آية إنشاء لعقد الزواج.

ثانيًا: القرآن ربط الزواج ببلوغ النكاح والرشد

القاعدة القرآنية الحاكمة موجودة في سورة النساء:

﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (النساء 6)

تأمل:

بلوغ النكاح

ثم إيناس الرشد

فالنكاح مرتبط بمرحلة:

نضج جسدي (البلوغ)

ونضج عقلي (الرشد)

إذا كان المال لا يُسلّم إلا بعد تحقق الرشد،
فكيف يُسلّم عقد الزواج، الذي هو أخطر وأعظم مسؤولية في حياة الإنسان، لطفلة لا تميز ولا تعي؟

القرآن يربط المسؤولية بالنضج، لا بالهوى ولا بالعرف.

ثالثًا: معنى “واللائي لم يحضن” ليس حتميًا أنه طفلات

التفسير التراثي الشائع قال:
“اللائي لم يحضن” = الصغيرات قبل البلوغ.

لكن هذا ليس المعنى الوحيد الممكن، للأسباب التالية:

1) الآية قالت: “من نسائكم”

﴿مِن نِّسَائِكُمْ﴾

كلمة “نساء” في الاستعمال القرآني لا تُطلق عادة على الطفلات، بل على النساء البالغات.

لو كان المقصود الأطفال لكان التعبير مختلفًا كما في آيات أخرى استعملت لفظ “أطفال”.

2) عدم الحيض لا يعني عدم البلوغ بالضرورة

“لم يحضن” لا تساوي “لم تبلغ”.

هناك حالات طبية معروفة مثل:

انقطاع الطمث الأولي

اضطرابات هرمونية

تشوهات خلقية

وفيها لا يأتي الحيض أصلًا، مع وجود بلوغ جسدي جزئي أو كامل.

فالآية تحتمل:

من لم تحض بسبب اضطراب

من تأخر حيضها

من انقطع حيضها

وليس بالضرورة طفلة في الرابعة أو السادسة!

رابعًا: هل القرآن يشجّع على الزواج قبل البلوغ؟

القرآن حين يتكلم عن العلاقة الزوجية، يتكلم عن:

سكن

مودة

رحمة

ميثاق غليظ

﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

فهل يمكن لطفلة لم تبلغ، ولم تعِ معنى الحياة الزوجية، أن تدخل “ميثاقًا غليظًا”؟
هل تستطيع أن تختار؟
هل تملك أهلية القبول والرفض؟

القرآن لا يتكلم بلغة الاستغلال، بل بلغة المسؤولية والوعي.

خامسًا: الخلط بين الواقع التاريخي والتشريع القرآني

كون الزواج المبكر كان موجودًا في مجتمعات قديمة لا يعني أنه:

مثالي

أو مطلوب

أو نموذج يحتذى

القرآن في كثير من الأحكام نظّم واقعًا قائمًا، لكنه لم يجعله قيمة أخلاقية عليا.

الاستدلال بوجود حالة تاريخية لتحويلها إلى تشريع دائم هو خلط بين:

الوصف التاريخي

والحكم التشريعي

وهذا خطأ منهجي خطير.

سادسًا: الحكمة في ختام الآية

الآية خُتمت بقول الله:

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾

التشريع هنا قائم على:

رفع الحرج

تنظيم الوضع

التيسير

فكيف يُحوَّل إلى أداة تبرير لإيذاء طفلة وحرمانها من طفولتها؟

هذا انقلاب على مقصد النص.

الخلاصة

الآية تتحدث عن عدة الطلاق لا عن جواز الزواج.

القرآن ربط الزواج بـ بلوغ النكاح والرشد.

عبارة “لم يحضن” لا تعني حتمًا طفلات.

الاستدلال بها على تزويج من لم تبلغ هو قفزة منطقية لا يدعمها نص قرآني صريح.

أي ممارسة تضر بالطفلة نفسيًا وجسديًا لا يمكن أن تُنسب إلى حكمة الله وعدله.

القرآن كتاب عدل ورحمة،
ومن يقرأه بمنهج متكامل لا يمكن أن يستخرج منه شرعنة لظلم الضعيف.

Share this content:

Post Comment