Nothing found
Sorry, but nothing matched your search criteria. Please try again with some different keywords.
يمثّل موضوع الخمر أحد أكثر النصوص القرآنية التي تعرّضت للتأويل الموروث، حتى أصبح الاعتقاد السائد أن القرآن “حرّم الخمر تحريمًا قطعيًا”، رغم أن النصّ لا يحتوي على أي آية تحمل لفظ: حرام أو حُرِّم أو لا تشربوا الخمر.
القرآن يقدّم معالجة مختلفة تمامًا، تقوم على الحكمة لا على التحريم، وعلى اجتناب الرجس لا على منع المادة ذاتها.
فالآية الأساسية تقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
(المائدة 90)
كلمة “فاجتنبوه” لا تعني التحريم القطعي، بل تعني الابتعاد عن أثره الضار كما قال الله في مواضع أخرى مثل اجتناب الرجس، الظن، القول العشوائي، اللغو. فالاجتناب ليس امتناعًا عن المادة نفسها، بل امتناع عن مفاعيلها السلبية.
وهذا ما تؤكده الآية التي بعدها مباشرة:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾
(المائدة 91)
القرآن هنا لا يركز على الكأس، بل على العواقب:
العداوة
البغضاء
تعطيل الصلاة
تشويه العلاقات الاجتماعية
انزلاق النفس إلى السَّفه أو العنف
الاجتناب إذن يعني:
ابتعد عن الحالة التي توصلك إلى الفساد، وليس أن المادة محرّمة بحد ذاتها.
وهذا يتوافق مع منهج القرآن:
ليس كل ما هو ضارّ محرّم، وليس كل ما هو نافذ الأثر يجب قطعه بالعنف، بل يُعالج بالتوعية، العقل، والتدرّج.
ولذلك قال الله أيضًا:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾
(البقرة 219)
عجيب!
القرآن يذكر منافع الخمر.
وهذه وحدها كافية لنفي التحريم القطعي، لأن الله لا يقول عن الحرام إنه “فيه منافع”.
إذن، كيف نفهم الصورة كاملة؟
لا توجد آية تقول:
“حُرِّم عليكم شرب الخمر”
ولا كلمة “حرام” في أي موضع ترتبط بالخمر.
والاجتناب ليس تحريمًا، بدليل:
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾
ولا أحد يقول إن لمس حجرٍ يُعتبر حرامًا!
المقصود هو اجتناب الشرك.
وهكذا الخمر:
اجتنبوا رجسه وليس ذاته.
الله يقول:
﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾
(النساء 43)
لو كان الخمر حرامًا، لكان من العبث أن يقول الله:
“لا تصلّوا وأنتم سكارى”.
كان يكفي أن يقول: “الخمر حرام”.
لكن القرآن لا يقول ذلك.
المشكلة ليست في الشراب، بل:
في السُّكر
في فقدان السيطرة
في خلق العداوة
في تعطيل العقل
في المشاكل الاجتماعية والأسرية
ولذلك قال الله:
“لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”
لأن الفلاح نتيجة تحكيم العقل والخلق.
وجود الخمر كنعيم في الجنة هو دليل آخر:
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾
(محمد 15)
ولا يمكن أن يكون شيء حرّمه الله في الدنيا مطلقًا ثم يجعله ثوابًا في الجنة.
الخمر في القرآن ليس محرّمًا، وإنما:
رجس اجتماعي
مُنتِج للعداوة والبغضاء
يجب اجتنابه عند فساد أثره
ولا يُشرب حتى لا يصل الإنسان لمرحلة السُّكر
القرآن لا يبني التشريع على القمع، بل على الوعي والعقل والسلام.
Sorry, but nothing matched your search criteria. Please try again with some different keywords.