Category: الهَدْي

يقدّم القرآن الهدي باعتباره شعيرةً عظيمة من شعائر الله، ذات بعد روحي واجتماعي واقتصادي. فالهدي ليس مجرد ذبيحة، بل عمل تقوى يجسّد الشكر، ويعكس رحمة الإنسان بإخوانه، ويُظهر وحدة المجتمع المؤمن عند اجتماعهم في بيت الله الذي جعله الله للناس كافة.

يقول تعالى:
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (الحج 36)

فالبدن — وهي الأنعام الكثيرة اللحم — جعلها الله من الخير، وسخّرها للإنسان، ليُظهر شكره، ويقدّم منها قربة لله بإطعام الفقير والمحتاج. وتأتي الآية التالية لتكشف عن جمال الحكمة الإلهية:

﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (الحج 36)

وتعبير “وَجَبَتْ جُنُوبُهَا” يحمل دلالة على اكتمال الخير في الهدي، أي امتلاء جوانبها ونضوج لحمها بحيث تُصبح صالحة للإطعام على أوسع نطاق. وهو تصوير قرآني لمرحلة يبلغ فيها الهدي تمام نفعه، فيأكل منه الناس، ويصل خيره إلى القانع والمعتر، فيتحقق مقصد الرحمة والتكافل.

فالهدي — وفق المنهج القرآني — ليس طقسًا معزولًا، بل لغة للتقوى. ولذلك قال الله عز وجل:

﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ (الحج 37)

إن قيمة الهدي ليست في اللحم ولا الدم، بل في النية الصادقة، والتواضع لله، والشعور بالآخرين، وإشاعة الخير بينهم. فالمؤمن حين يقدّم الهدي لا يقدّم جسدًا، بل روحًا من الرحمة والمشاركة.

ويرتبط الهدي مباشرةً بملة إبراهيم عليه السلام، فهو جزء من منظومة الحج التي دعا إليها إبراهيم منذ أن قال له ربه:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ… لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج 27-28)

ومن هذه المنافع إطعام المحتاجين، وتوزيع اللحوم على القانع والمعتر، والتقاء الشعوب، وتبادل المعرفة، وإحياء ذكر الله في أيام معلومات.
الهدي بهذا المعنى ليس شعيرة فردية بل مشروع إلهي للتكافل العالمي.

والقرآن يؤكد أن البدن سُخّرت للإنسان ليشعر بالفضل، ويكبر الله على ما هداه إليه، فقال تعالى:

﴿كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾ (الحج 37)

أي أن الهدي مدرسة شكر:
يشكر المؤمن ربّه على الرزق، وعلى التسخير، وعلى القدرة، وعلى الهداية.

وتقوم هذه الشعيرة أيضًا على مبدأ المساواة بين الناس؛ لأن الهدي يصل الفقير كما يصل الغني، ويحمل رسالة أن العطاء ليس حكرًا على الموسرين، بل واجب روحي يعيد تشكيل المجتمع على قيم الرحمة.

وفي عصرنا، تبقى شعيرة الهدي من أهم الوسائل لتقوية الروابط الإنسانية، ونشر الخير في العالم، وتذكير الناس بأن الدين ليس طقوسًا شكلية بل سلوكًا يبني مجتمعًا يقوم على الإحسان، ويصل الفقير بالغني، ويزرع التقوى في القلب.

Nothing found

Sorry, but nothing matched your search criteria. Please try again with some different keywords.